الاثنين, 22 صفر 1441 هجريا, الموافق 21 أكتوبر 2019 ميلاديا

‏⁧‫#أحمد_العيسى‬⁩: استفزني أحد الأصدقاء في جلسة خاصة ضمت نخبة من الأصدقاء المهتمين بالتربية والتعليم حين قال: لقد أخرجت لنا قبل أعوام كتاباً رائعاً عن إصلاح التعليم في المملكة ولكنك عندما حُملت المسؤولية وأصبحت على قمة الهرم في وزارة التعليم تبخرت تلك الأفكار ‏

‏⁧‫#أحمد_العيسى‬⁩: استفزني أحد الأصدقاء في جلسة خاصة ضمت نخبة من الأصدقاء المهتمين بالتربية والتعليم حين قال: لقد أخرجت لنا قبل أعوام كتاباً رائعاً عن إصلاح التعليم في المملكة ولكنك عندما حُملت المسؤولية وأصبحت على قمة الهرم في وزارة التعليم تبخرت تلك الأفكار ‏

استفزني أحد الأصدقاء في جلسة خاصة ضمت نخبة من الأصدقاء المهتمين بالتربية والتعليم حين قال: لقد أخرجت لنا قبل أعوام كتاباً رائعاً عن “إصلاح التعليم” في المملكة ولكنك عندما حُملت المسؤولية وأصبحت على قمة الهرم في وزارة التعليم تبخرت تلك الأفكار وتناثرت حبات تلك العقود من الأحلام والأمنيات..

قلت له: مهلاً يا صاحبي فلعلك متأثر بما يكتب من حين وآخر في وسائل التواصل الاجتماعي من كتابات وردود أفعال تدافع عن مصالح شخصية وقتية، أو حتى من بعض الإعلاميين الذين يبحثون عن الإثارة ونتائج سريعة لأي مشروع إصلاحي.

قال صاحبي: ولكن الناس لا ترى إلا ما يظهر على السطح ولا تبحث إلا عن النتائج والإنجازات، أما البذور التي تحت سطح التربة أو الغصون الطرية التي لم تستوي على سوقها، فلا يمكن الركون إليها، أو التبشير بنتائجها..

قلت: ولكن كل المهتمين بأمر التعليم في وطننا العزيز وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين وكذلك ولي العهد يدركون أن إصلاح التعليم هو مشروع استراتيجي طويل المدى يستهدف عقول وقدرات الأجيال القادمة، وبالتالي فإنه ليس بمشروع شخصي أو نتيجة لطموح فردي، وإنما هو مسيرة متتابعة لها أسس ومنطلقات وأهداف ومستهدفات ستنفذ بإذن الله بغض النظر عن التفاصيل الصغيرة ومنها شخص الوزير أو من يدير العمل التنفيذي في الوزارة..

واستطردت قائلاً: ولعلك تعلم أن مشروع إصلاح التعليم يشرف عليه ولي العهد شخصياً من خلال أحد برامج تحقيق الرؤية وهو برنامج “تنمية القدرات البشرية” والذي يشق طريقه بثبات، وإذا ما تم تنفيذه بحسب الخطط والمشاريع والمبادرات المعتمدة له فإنه سيحقق خلال عشر سنوات تغييراً جذرياً في واقع نظامنا التعليمي..

وأردفت قائلاً: ولكن مع تفاؤلنا بالمستقبل، ومع إدراكنا بأن مقاومة التغيير في الميدان التربوي كبيرة ومتجذرة بعد عقود من الركود الإداري، فاسمح لي أن أسرد عليكم بعض المشاريع والمبادرات التي عملنا عليها خلال السنوات الثلاث التي قضيتها في الوزارة، والتي اعتبرها من البذور التي ستؤتي أكلها بإذن ربها، حيث أعرف حرص أخي وزير التعليم الحالي الدكتور حمد آل الشيخ على رعايتها ودعمها حتى تؤتي ثمارها..

من المبادرات المهمة التي عملنا عليها منذ أول شهر لي في الوزارة محاولة إصلاح منظومة مهنة التعليم، ابتداءً من مدخلات المهنة في كليات التربية في الجامعات السعودية، حيث استمرت تلك الكليات لسنوات طويلة تمثل الخيار الأخير لخريجي الثانوية العامة، وتكدس فيها الطلاب والطالبات، وامتزج فيها التأهيل التربوي بالتأهيل العلمي فضاعت زبدة كل تأهيل، وأصبحت عبئاً على مؤسسات التأهيل حيث يتخرج منها أعداداً فائضة عن حاجة قطاع التعليم.

> لقد وضعنا معايير جديدة للقبول في تلك الكليات وطلبنا تخفيض أعداد الطلاب إلى النصف، ثم صممنا برنامجاً جديداً يبدأ بالتأهيل العلمي التخصصي لمدة أربعة أعوام في برنامج البكالوريوس لينتهي ببرنامج للتأهيل التربوي في مرحلة الماجستير المهني، بعد ذلك عملنا على تطوير لائحة جديدة للوظائف التعليمية (وهي التي صدرت قبل أسابيع قليلة)، تسعى لتحفيز المعلمين وتفرق بين المعلم المجتهد والمعلم الذي ركن إلى الدعة والسكون والعمل الروتيني الممل، كما طرحنا واحداً من أهم برامج التأهيل والتدريب وهو برنامج التدريب الدولي (خبرات) الذي استفاد منه خلال ثلاث سنوات حوالى 2000 معلم ومعلمة تدربوا على طريقة المعايشة في بيئات تربوية عالمية في أميركا وكندا واستراليا وبريطانيا وفنلندا، كما طرحنا برامج متفرقة في التدريب منها المنتدى الدولي للمعلمين الذي شارك فيه معلمين من أكثر من عشرين دولة وأكثر من ٧٠٠ معلم سعودي، هذا إضافة إلى برامج التدريب الصيفية وغيرها من البرامج.

ومن المبادرات المهمة أيضاً محاولة تغيير فلسفة التعلم وطرق التدريس، حيث بدأنا بواحد من أهم مشاريع الإصلاح على الاطلاق وهو برنامج (كفايات) الذي كان يهدف إلى الانتقال من التدريس المعتمد على حفظ المحتوى إلى التدريس المرتبط بالكفايات والقدرات والمهارات، إذ عملنا مع مجموعة من الخبراء الاستراليين لتدريب فريق عمل سعودي للقيام بعملية تدريب ميدانية في المدارس لتحويل عملية التعليم والتعلم إلى مجموعة من الممارسات التفاعلية بين المعلم والطالب بعيداً عن نمطية التدريس التقليدية، وقد انطلق المشروع في عامه الثاني في أكثر من ٢٠٠ مدرسة سعودية، كما قررنا تطبيق ساعة يومياً للنشاط الحر في المدارس لإعطاء المعلمين والطلاب فرصة لتنفيذ نشاطات متنوعة مفتوحة وغير مقيدة بالمنهج الدراسي.

ومن المشاريع الأخرى في هذا الباب أطلقنا مشروعاً واعداً للتعليم الرقمي اسميناه “بوابة المستقبل” حيث عملنا من خلال شركة تطوير لتقنيات التعليم على ادخال التقنية بشكل مكثف في العملية التعليمية وفي تطوير العلاقة بين الطالب والمعلم وولي الأمر، وقد انطلق المشروع بكل عزيمة حتى وصل عدد المدارس التي استفادت منه أكثر من ١٨٠٠ مدرسة.

ومن المبادرات التي عملنا عليها بكل حماس، تطوير منظومة المناهج والتي أعتقد أن نجاحنا فيها كان محدوداً وذلك لأن مشاريع تطوير المناهج تعتبر من أصعب المهام، حيث أنها مرتبطة -كما هو معروف – بسياسة الدولة وبحساسيات ثقافية متعددة الاتجاهات. ولكن مع ذلك حرصنا على القيام بالعديد من الإصلاحات، فقد أشرفت شخصياً على إعداد تقرير مفصل عن محتوى الكتب الدراسية من حيث مستوى ما تبثه من قيم التسامح، أو التشجيع على الكراهية، أو الحض على العنف، وقد عمل على إعداد هذا التقرير نخبة من المختصين في العلوم الشرعية والعلوم الاجتماعية. وقد سلمت هذا التقرير شخصياً إلى ولي العهد الذي اهتم بالموضوع وشكل له لجنة عليا من أصحاب الاختصاص لدراسة محتوى التقرير والخروج بتوصيات محددة يمكن الاستفادة منها في مبادرات تطوير المناهج مستقبلاً، إضافة إلى ذلك عملنا على إصلاح جزئي في تطوير محتوى المناهج، إذ أدخلنا كثيرا من النصوص الحديثة عن رؤية المملكة ٢٠٣٠، ومجموعات مختارة من نصوص الأدباء السعوديين، كما قررنا تدريس كتاب “حياة في الإدارة” للأديب والوزير الراحل غازي القصيبي لطلبة الثانوية العامة، إضافة إلى تدريس مادة التفكير الفلسفي ومبادئ القانون في المرحلة الثانوية أيضاً.

ومن المبادرات المهمة أيضاً محاولة إصلاح منظومة التعليم العالي، حيث عملت مع مدراء الجامعات منذ الأسبوع الأول لي في الوزارة على تطوير نظام جديد للجامعات، في محاولة لتحرير الجامعات من كثير من القيود البيروقراطية التي تكبلها حالياً، فالجامعات – كما هي في معظم دول العالم المتقدم – تتمتع بشخصية اعتبارية مستقلة في أنظمتها الأكاديمية والمالية والإدارية، وتحظى بحماية قانونية عن التدخلات في شؤونها الداخلية. هذا المشروع قطع شوطاً كبيراً وطويلاً في المناقشات والدراسات ويفترض أن يكون في مراحلة النهائية لاعتماده وتطبيقه.

ومن المشاريع الأخرى في هذا الصدد مبادرة دعم البحث والابتكار في الجامعات والتي رصد لها في برنامج التحول الوطني مبلغ ستة بليونات ريال، وذلك بهدف دعم البنية التحتية للبحث العلمي وتدريب الباحثين السعوديين وربطهم بالخبرات الدولية المتميزة والمؤسسات العلمية في مجال البحث العلمي.

ومن المشاريع الأخرى التي كانت محل الاهتمام تطوير برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي، إذ تم اقتصار الابتعاث إلى أفضل ٢٠٠ جامعة عالمية وتطوير مسارات جديدة مثل برنامج النخبة الذي يمكن الطالب من الابتعاث الفوري إلى أفضل ٢٠ جامعة عالمية، وكذلك برنامج الزمالة الصحي وغيرها من المسارات.

من المبادرات الأخرى المهمة التي أخذت حيزاً من الاهتمام إصلاح منظومة التعليم الأهلي العام والجامعي، حيث تم إيقاف الترخيص للمدارس والكليات الأهلية في المباني المستأجرة وتعديل وضع المدارس القائمة من خلال برنامج “تدرج” الذي يقدم حلولاً للتحول إلى مباني مخصصة للأغراض التعليمية. كما شملت برامج الإصلاح تقويم مستوى الجامعات الأهلية حيث تم إيقاف الترخيص في التخصصات الصحية وإغلاق نحو ٢٨ برنامجاً صحياً في عدد من الجامعات والكليات الأهلية.

ومن الجوانب التي حظيت أيضاً بتوجيهات واهتمام خاص من قيادتنا الرشيدة، توفير الدعم اللازم لمنظومة العمل الميداني في الحد الجنوبي، إذ أجبرتنا الظروف الميدانية إلى إغلاق عدد كبير من المدارس ونقل الطلاب إلى مدارس أخرى أكثر أمناً وتشغيل تلك المدارس على فترتين أو ثلاث فترات. وقد قامت إدارات التعليم في تلك المناطق بدعم من الوزارة بجهد رائع لتوفير الخدمات بحيث لا تتأثر العملية التعليمية، حتى أن الاختبارات التي عملت لطلاب تلك المناطق أثبتت عدم وجود فروق ذات دلالة بين نتائجهم مقارنة مع طلاب المناطق الأخرى.

صديقي الذي سمع مني هذا الرصد السريع للمبادرات والمشاريع التي عملنا عليها طيلة ثلاثة أعوام شجعني على أن أروي قصتي لجمهور أكبر من تلك المجموعة من الأصدقاء، فكانت هذه المقالة.