الجمعة, 17 شعبان 1441 هجريا, الموافق 10 أبريل 2020 ميلاديا

كيف سيغير كورونا حياتنا وطريقة عملنا وعلاقاتنا؟

كيف سيغير كورونا حياتنا وطريقة عملنا وعلاقاتنا؟

نشرت مجلة “إيسكوير” مقالا مطولا للكاتب كريس ستوكيل – وولكر، يتحدث فيه عن شكل العالم بعد عام ونصف من ظهور فيروس كورونا.
ويقول وولكر في مقاله، إنه “سواء ظل الفيروس لشهر أو شهرين أو حتى عام فإن الوباء قد غير طرق حياتنا وعاداتنا للأبد”.
ويشير الكاتب إلى أن “الجميع في حالة من العزل التام، فقد تم تجريد رفوف المحلات التجارية من بضائعها، وأوقفت الرحلات الجوية، وطرد العمال من أعمالهم، وقامت حكومة المحافظين بتأميم السكك الحديدة وتدفع للمواطنين لعدم العمل”.
ويلفت وولكر إلى أنه “لم يمض على العزل في بريطانيا إلا أسبوعان، حيث عانت بريطانيا من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية، التي تحدث عادة في الثورات التي يشنق فيها بعض الأمراء، لكن هل ما يجري هو لحظة مؤقتة من التضامن الاجتماعي أم هو أمر بات عاديا؟”.
ويقول الكاتب: “الجواب على هذا السؤال يعتمد على استمرار كوفيد-19، فاللقاح لمعالجته لن يتم التوصل إليه إلا بعد 18 شهرا، ما يعني أن وعود دونالد ترامب بفتح أمريكا بعد 3 أسابيع متفائلة جدا، وفي بريطانيا قدم تقرير أعدته مجموعة من الخبراء في كلية إمبريال لندن، وقدروا فيه أن عناصر من الوضع الجديد، مثل التباعد الاجتماعي، والعزلة الاجتماعية، وتواصل الإقفال للمدن، قد تستمر حتى عام 2021، لكن ماذا سيحدث وسط استمرار أزمة فيروس كورونا؟”.
ويجيب وولكر قائلا: “في الحقيقة لا أحد يعرف، فنحن لم نواجه شيئا مثل كوفيد-19، ورغم وجود عدد من المقارنات في الطريقة التي تتكيف فيها الأمم مع الصدمات، مثل الحروب والمجاعات، لكن بالنسبة للغرب فإن هذا الوضع غير مسبوق في العصر الحديث، فآثار الفيروس على الاقتصاد والتفاعل الاجتماعي والبيئة واضحة، ومن هنا يرى الخبراء أن الأمور ستزداد سوءا قبل أن تتحسن”.
وينوه الكاتب إلى قول أستاذ الطب في جامعة “إيست أنغليا” بول هانتر: “أنا متأكد من استمرار الوباء في الأشهر الثلاثة المقبلة”، مشيرا إلى أنه يتوقع أن تزيد القيود على حرية الحركة سوءا في الثلاثين يوما المقبلة، حيث ستخلو مراكز المجتمع والمحلات والحانات من روادها، وسيتوقف العمل في مواقع البناء.
ويجد وولكر أنه “في ظل غياب هذه الأمور فإن شركات التوصيل والبقالات ستستفيد، وبحسب دراسة مسحية لشركة (كانتار) التي تتابع سلوك 100 ألف مستهلك بريطاني، فقد زار البريطانيون متاجر التسوق 15 مليون مرة إضافية في الأسبوع الذي انتهى في يوم 17 آذار، مقارنة مع شهر شباط، وزادت نسبة الإنفاق بنسبة 16%، ورغم ما تظهره النسب فإن ذلك لم يكن مقتصرا على التخزين”.
وتورد المجلة عن أستاذ التغذية في جامعة سيتي في لندن، تيم لانغ، قوله: “تبلغ نسبة ما نستهلكه من المتاجر 60%، أما الباقي فيأتي من وجبات السمك والبطاطا المقلية التي تشتريها من المطاعم أو ساندويشات الفلافل.. وإن تم قطع نسبة 40% من الإمدادات الغذائية وتم تحويل نسبة 60% إلى 100% فبالتأكيد ستكون هناك ضغوط”.
ويبين الكاتب أنه “مع أن المحلات لن تمتلئ بالمواد الغذائية، إلا أنها ستكون أقل، حيث سيبدأ الناس باستخدام ما خزنوه استعدادا للعزل الذاتي، لكن المشكلة للجميع هي ليست الحصول على المواد، لكن كيف ستوفر المال لشرائها، وتقول المستشارة السابقة للحكومة، لينيت نوسباتشر: (في شهر أو شهرين سيكافح الناس من أجل توفير إيجار البيت ودفع فاتورة مشتريات البقالة) وسيكون الأكثر تضررا هو القطاع الذي يعتمد على العقود المؤقتة في أوبر أو غيرها، ومن يعدون متعاقدين ذاتيين، الذين يعدون أقل حماية من الذين يتلقون رواتب حكومية”.
ويقول وولكر: “ستواجه الخدمة الصحية الوطنية تحديها الأكبر في نيسان، حيث يتوقع الخبراء وضعا مثل إيطاليا، التي تجاوز عدد الوفيات فيها السبعة آلاف، وفي بريطانيا هناك 2.8 طبيب لكل ألف شخص، أقل من النسب في إسبانيا وإيطاليا، اللتين لديهما 4.1 طبيب لكل ألف شخص، ومن هنا فإن عدد المرضى الذين سيحتاجون العلاج سيزيد، ولن تكون الخدمة الصحية قادرة على تلبية الاحتياجات، وكانت هذه هي الحال في إيطاليا، فقد واجه الأطباء خيارات حول من يستحق العناية، وقاموا بنقل أجهزة التنفس من الكبار ووفروها للشباب، وتقول نوسباتشر: (لقد تعودنا على قائمة الانتظار في أن أتش أس.. لكن الفكرة التي نقلت إليك: عذرا لن نوفر السرير لجدك خذه إلى البيت ووفر له الراحة)”.
ويشير الكاتب إلى أنه “في الشهر الثاني من الأزمة ستواجه بريطانيا مخاطر الركود الاقتصادي، والمأمول أن تكون بريطانيا قد تخطت أول معلم لمواجهة الفيروس بحلول تموز، فبعد أشهر من زيادة الحالات والوفيات هناك أمل ببطء انتشار الفيروس، ويقول هانتر: (أتوقع بأننا سنرى هذا ولن نبدأ بتخفيف قيود التباعد الاجتماعي)، لكن الإقفال التام قد يتم وقفه مع هذا الوقت (ومن المأمول أن يحدث ذلك قبل أيار، وربما لن يحدث)”.
ويقول وولكر: “سواء تحقق وعد ترامب بالعودة إلى العمل أم لا، فإن هناك توقعات بعد ثلاثة أشهر بعودة بعض الدول إلى شكل من الحياة الطبيعية، فتقول نوسباتشر: (من المحتمل، بحسب الخبراء، تمكن الناس بالعودة والعمل في الاقتصاد بحلول تموز/ يوليو أو آب/ أغسطس)”.
ويلفت الكاتب إلى أن “هانتر يتوقع تخفيف الوضع بحلول الصيف، قائلا: (لا أعرف هذا بالتأكيد، وأتوقع تراجع المرض بشكل حاد مع نهاية حزيران/ يونيو، وهذا يعود جزئيا بسبب الإجراءات التي اتخذتها الحكومة، وأيضا لأنه بحلول الصيف ستكون الأمور أسهل)، وسيتم السماح للناس بقضاء وقت في الحدائق مع الحفاظ على التباعد الاجتماعي”.
ويؤكد وولكر أن “التباعد سيظل أمرا طبيعيا في العمل، فيقول أستاذ علم النفس التنظيمي في كلية الأعمال في جامعة مانشستر، كاري كوبر: (أعتقد أن السفر إلى العمل سيتوقف، ولن يحدث إلا في حالة الضرورة، أو عندما تحتاج لعمال في النفط والغاز للعمل في منصة في الخليج)، والتردد في السفر ليس بسبب كون الطيران ناقلا للفيروس حول العالم، لكن لاكتشاف الناس أنه بعد أمرهم بالعمل من البيت أن المقابلة في العمل وجها لوجه يمكن استبدالها بالتكنولوجيا”.
وينوه الكاتب إلى أن كوبر قام قبل عامين بدراسة ميدانية سأل فيها أشخاصا عن سبب عدم الاستفادة من حقهم القانوني والطلب من أرباب العمل ساعات عمل مرنة، ووجد أن النساء استفدن من الحق القانوني وليس الرجال الذين خافوا من تأثر مسارهم العملي، ويقول كوبر: “كان هناك تردد أما الآن لم يعد هناك تردد.. في الوقت الحالي أنت مجبر على العمل وبشكل كامل من البيت”.
ويفيد وولكر بأنه في “السياق ذاته، فإن المصانع ستحاول توفير المواد للمتاجر والبقالات، إلا أن علاقتنا بالطعام ستتغير، فما تطور على مدى 60 عاما ومفاده بأنني أستطيع أكل ما شئت وفي أي وقت، وأبالغ في الأكل، يجب أن يتغير، وستختفي الفواكه الاستوائية من رفوف المتاجر، وتحل محلها الفواكه الموسمية، وهذا يعني عدم توفر الفراولة في الشتاء”.
ويقول الكاتب: “ربما أدت العودة إلى الحياة الطبيعية لجولة جديدة من العدوى، فتقول نوسباتشر: (في أماكن سنبدأ فيها بتشغيل الاقتصاد سريعا والسماح للناس بالعمل وعودة الحياة إلى طبيعتها بشكل من الأشكال فإن هناك إمكانية لعودة العدوى)؛ نظرا لاقتراب الناس من بعضهم، وعند هذه النقطة تموت الحياة في الشوارع، ولن يكون فيروس كورونا السبب بل سيؤدي إلى عصر يعتمد فيه الناس على خدمات التوصيل والمخازن المركزية، وستأكل شركة (أمازون) وأمثالها حصة كبيرة من السوق، تاركة أثرها على الجميع، وهناك 3 ملايين شخص يعملون في قطاع التجزئة، ورغم انتهاء عدد منهم بالعمل في مجال التوصيل، إلا أن الخدمات الآلية تعني أن عددا منهم سيخسر وظيفته”.
ويؤكد وولكر أن “آثار الفيروس لن تظهر إلا بحلول شهر أيلول/ سبتمبر مع الميزانية التي قدمها وزير الخزانة ريشي سوناك، حيث سيتمكن من لديه القدرة من العودة إلى أماكن العمل، ومن تم التخلص منهم أو من منحوا إجازة سيبحثون عن فرص جديدة، فمع بوادر الانكماش الظاهرة على الاقتصاد الأمريكي بمعدلات سريعة، بشكل أسرع من الأزمة المالية، وبعد ستة أشهر من الإغلاق التام بسبب فيروس كورونا، فنحن أمام سيناريو ركود واقتصاديات ترزح تحت انهيارات غير مسبوقة في مجال الطلب والعرض، ولن تعود الوظائف أثناء أزمة كورونا مرة أخرى، وهذا يعني زيادة معدلات البطالة، التي قد تتطلب من الحكومة بناء شبكات حماية”.
ويعتقد الكاتب أنه “بالنسبة للذين حافظوا على أعمالهم فإن العمل لن يكون كما في السابق، فستنكمش المكاتب وتصبح محلات للذهاب إليها مرة أو مرتين في الأسبوع لمعرفة ما يجري وليس قضاء 40 ساعة أمام الحاسوب، ويقول كوبر: (نحن بحاجة إلى مدير جديد.. شخص لديه فكرة جيدة عن المهارات الاجتماعية وإدارة فريق افتراضي)، والتغير في طريقة عمل الاقتصاد سيسرع من التحول عن المشاركة في المصادر، مثل الطابعات أو تغطية إنترنت سريعة، ويقول كوبر إن الشيء الوحيد الذي منع الناس عن فعل ذلك هو خوفهم من الظهور بمظهر أنهم غير ملتزمين بالعمل”.
ويبين وولكر أن “خلف مظهر العادية هناك الخوف من عودة الفيروس، وسنشاهد حالات تحتاج لعناية خاصة، ويرى هانتر أن التغير في أسلوب الحياة، وإن خفف الضغط عن الصحة الوطنية، إلا أننا قد نشاهد زيادة في حالات الولادة في نهاية العام بسبب بقاء الرجال والنساء في بيوتهم، ولأن الإغلاق أدى إلى وقف دور السينما والترفيه فيمكن للشركات الإنتاجية تأخير عرضها لما بعد التخلص من الفيروس أو بثها على الإنترنت، ولأن معظم الشركات لم يكن لديها الوقت الكافي للانتهاء من إنتاج ما لديها فربما لجأت محطات التلفزة للبحث في موادها الأرشيفية لبث مواد وأفلام قديمة”.
ويختم الكاتب مقاله بالقول: “ستعود المدارس والجامعات، لكن بعدد قليل من الطلاب الأجانب، الذين قد يفكرون بما سيفعلونه في حياتهم، ومثل المكاتب فإن المدارس والجامعات قد تقرر استخدام الوسائل الطارئة التي وضعتها في وقت الأزمة، والتدريس عن بعد، لمنع اجتماع الطلاب في مكان واحد”.