السبت, 7 ذو الحجة 1439 هجريا, الموافق 18 أغسطس 2018 ميلاديا

قيمة العمل المفقودة !!

قيمة العمل المفقودة !!
د. محمد عثمان الثبيتي
أجزم بأن المجتمع الذي تحكم سلوكيات أفراده ومؤسساته قيم سامية تمارس واقعاً ولا تتوقف عند حد التنظير ، سيكون مجتمعاً فاعلاً في محيطه ، أنموذجاً في الاقتداء به ، ولكن الأقنعة التي تُخفي الانفصام في الممارسات السلوكية للكثير من أفراد المجتمع مُعضلة كبيرة في التعاطي الإيجابي جراء انتهاك متعاطيها للقيم في الخفاء وتمثلُها في العلن ، على الرغم من أن مثل هذا الفعل الاستثنائي في مدلوله السلبي يُعد في مجتمع محافظ كمجتمعنا خطاً أحمر تقف عنده الممارسات السلوكية الخاطئة موقف الممانعة ، ولا يُمكن لممارسيه تجاوزها لاعتبارات أخلاقية ذاتية ولمعايير ضبط اجتماعية خارجية ، مما صعَّب على المؤسسات التربوية والاجتماعية دورها تجاه معالجة هذا الداء المُستفحل في بُنية المجتمع نظير ازدواجية المعايير ، فالتعامل مع الواضح لا يتطلب جهداً لا يؤمن جانبه ، بينما تكمن خطورته في بويهمية الطرف الآخر ؛ فالمُجتمع عندما كان يحكمه سُلَّم قِيمي وفق آلية متزنة تحفظ للجميع حقوقهم ، ويرسم خطاً واضحاً لتعاملاتهم الحياتية ، ويعمل كموجّه لسلوك الأفراد وإطار مرجعي يحكم تصرفاتهم لم يكن في حاجة للولوج في متاهات الإجابة على الكثير من التساؤلات التي أضحت تتنامى جراء اختلال هذا السُّلم ، والبحث عن دوافع انعكاساته السلبية.
وتأتي قيمة العمل في مقدمة القيم المُهدرة في معظم أجهزتنا الحكومية دون الخاصة ؛ لتوافر الضبط الخارجي في القطاع الخاص ، وضعفه أو انتفائه في القطاع الحكومي ، ناهيكم عن تدني الرقابة الذاتية إلى أقصى درجاتها ، وهذه الحقيقة التي لا تُغطى بغربال ولا يجب أن نواربها ؛ لأنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بولائنا لوطننا ، فالعطاء للوطن يبدأ من العمل الجاد ، وبناؤه ينطلق من الإخلاص فيه ؛ لذا فإن الأقنعة التي تحكم واقعنا للأسف لا تمت عضوياً للقيم بأية صلة – كوسيلة ضبط للمُجتمع – الأمر الذي أحال المُجتمع إلى نوع من الفوضى غير المعهودة ، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار عدم وجود الكيفية السليمة لمعالجتها ؛ إما لحداثتها الزمنية أو لتعنت مُرتكبيها غير المنطقي ، مما أدى إلى ذوبان أفراده في أتون التقنُّع – شكلاً ومضموناً – متناسين في الوقت ذاته أن التوازن مطلب حتمي ، وأن الحفاظ على الأسس التي يقوم عليها أي مجتمع في إطار مرجعياته الشرعية ، وسُلَّمه القيمي ، وعاداته وتقاليده الإيجابية المتوارثة هي التي تُشكِّل مكانته وتمنحه الهيبة ، وتضمن له شخصيته وكينونته المستقلة متى ما كان هناك ثمة مقارنة أو حضور يُشار للمجتمع وأفراده من خلاله ، ويُقيِّم بناءً عليه .
إن غياب هذه القيمة – قيمة العمل – على اعتبار أن العمل محور رئيس لاهتمام الفرد – فإن ما يُمَارس تجاهها يُعد من أعتى الأساليب ابتذالاً ، وبُعداً عن أبجديات احترام الذات أولاً وحقوق الآخرين ثانياً ، فالمُلاحَظُ في التعاملات اليومية في بيئات العمل يعكس انتهاكاً صارخاً للخدمة التي يقدمها الموظف للفئة المُستهدفة ، فبدلاً من كونها واجباً يُحتِّمه الالتزام الديني والمهني نجد أن العكس هو المُسيطر على تفكير المُسند لهم الخدمة ، فكأنهم يمنون على الآخرين بما يُقدمونه لهم ، بينما الصحيح هو أن الأصل الذي يجب أن يعييه الجميع هو العكس ، ولكنها المفاهيم عندما يعتريها القصور في الفهم ، ويقفز عليها المرجفون في الممارسة ؛ عندها تتلاشى هذه القيمة وتُصبح نسياً منسياً .
هذا الخلل المفصلي في تعاملاتنا اليومية انعكس سلباً على تأخر الحراك الإيجابي للكثير من أعمالنا ؛ مما يعني أننا أمام مُعضلة كبيرة تحتاج تدخلاً قوياً من المراكز البحثية لمعرفة دوافعها والكشف عن مُسبباتها ، ومن الجهات الرقابية الخارجية بهدف ضبط هذا العبث الذي يُمارس في حق الوطن ، وإعادته إلى جادة الصواب من خلال اتخاذ تدابير حازمة لا تقبل الاختراق من أي جهة .

 

نقلاً عن المدينة