الأحد, 4 محرّم 1439 هجريا, الموافق 24 سبتمبر 2017 ميلاديا

قصة كفاح

قصة كفاح
بندر السفير
بندر السفير

بعض القصص أو المواقف التي نسمعها أو نعيشها لابد وأن يكون لها مغزى يلفت انتباهنا أو درس نتعلّمه، وهذا ما حدث معي بالفعل حيث إنني أتردد كثيراً على مدينة الرياض شأني شأن الكثيرين؛ لمتابعة بعض الأعمال، وكالعادة لأي رحلة يتم التنسيق لحجز تذاكر السفر والإقامة الفندقية وكذلك المركبة والسائق الذي سيرافقني طيلة تواجدي بمدينة الرياض لايصالي للجهات التي أنوي زيارتها، واعتدت عند ركوبي مع أي سائق وبعد أن ألتقط أنفاسي أن أفتح معه الحديث وادردش معه قليلاً؛ كي أفيد وأستفيد وأناقش بعض أمور مهنته أو الأمور العامة، لا سيّما إذا كان السائق شاباً سعودياً، وفِي احدى الرحلات التقيت بشاب يعمل سائق أجرة في احدى شركات النقل الشهيرة، وكان الشاب في هذه الرحلة منضبطاً بالمواعيد مهذباً بالحديث، وبعد أن قضيت معه (مشاوير) يوم كامل حافل عصف بنا الجوع وطلبت منه التوقف كي نأكل أي شيء لنكمل برنامجنا اليومي، وعند توقفنا طلبت منه مشاركتي الوجبة لأنني متأكد أنه لم يحظ بأي وجبة طوال اليوم؛ كونه كان ينتظرني في كل وجهة أقصدها، وبالفعل دخلنا أحد مطاعم الوجبات السريعة والتي لا أحبذها حقيقة ولكن لضيق الوقت لم أجد غيرها للأسف، وعندما طلبنا الطعام فاجأني الشاب السعودي (السائق) بطلبه لوجبة بلا مشروب وذات سعرات حرارية أقل حفاظاً على لياقته وصحته! ليس ذلك فحسب بل وعندما هممت بدفع مبلغ الغداء رفض إلا أن يدفع بكل إصرار ودون أي تمثيل، ولكن بصعوبة أقنعته بأن أقوم بالدفع وسمح لي بذلك وانتهينا من الوجبة بحمدالله وتوجهنا لاجتماعنا الأخير ومنه للمطار.

وعندما اقتربنا من المطار سألته عن مستوى تأهيله العلمي وإن كان لديه أي مصادر دخل أخرى، بزعمي أن أحاول إيجاد وظيفة له ذات دخل أفضل وأن أرد له دين خدمته المميزة، لكنه استمرّ بمفاجأتي وقال لي قبل أن أغادر المركبة بأنه يدرس حالياً الطب، وفِي سنته الأخيرة أيضاً!!! نعم إنه طبيب، مما يعني أن السائق الذي أوصلني هذا العام، سيكون طبيباً وقد يعالجني العام القادم! وكل ما في الأمر أن هذه الوظيفة تساعده في توفير بعض المصاريف الجامعية، حينها عرفت مصدر ثقافته الغذائية عندما كنّا بالمطعم، وهذا الموقف إن دل فإنما يدل على تطوّر كبير يحدث في ثقافة ووعي شبابنا وبناتنا، وأن ذوي الأهداف المحددة والتركيز العالي يصلون لوجهتهم دون أدنى ضجيج اجتماعي، فإذا كان الهدف الإستراتيجي لأي منا واضحا ومحددا فلا يجب أن ينزعج من بعض الوخزات التي قد تنتابه في الطريق للوصول إلى وجهته لأن من سار على الدرب وصل، هذا الشاب وغيره من الشباب والبنات فعلاً مصدر فخر لنا كسعوديين ويعززون آمالنا القادمة، ولتعلموا أعزائي الباحثين والباحثات عن العمل أن الحياة العملية هي عبارة عن محطات وكل محطة فيها مؤقتة لن تدوم بل ستوصلك إلى المحطة التي تليها، فانطلقوا بفكر كهذا كي تصلوا لمبتغاكم.