الاثنين, 6 شعبان 1441 هجريا, الموافق 30 مارس 2020 ميلاديا

قبل أن ينتحر المقاول السعودي

قبل أن ينتحر المقاول السعودي
جمال بنون

 

بالكاد استطاع أصدقائي في موقع «فيسبوك» أن يذكروا لي أسماء 10 شركات مقاولات سعودية يعرفون أسماءها. كنت قد طلبتها منهم أن يذكروها لي، وعلى رغم تنوع ثقافتهم واهتماماتهم، اجتهدوا في ذكر بعض أسماء الشركات، ومهما كانت نسبة المشاركة فهي تعكس المعلومات المتوافرة عن شركات المقاولات البارزة في السعودية لدى عامة الناس وحتى المجتمع الاقتصادي.

وهذا الكلام يعزز تصريح رئيس اللجنة الوطنية للمقاولين في مجلس الغرف السعودية فهد الحمادي الذي قاله في المؤتمر الصحافي في «غرفة تجارة وصناعة مكة»، عن تراجع أعداد المقاولين المنتسبين إلى الغرف التجارية السعودية، بحسب إحصاءات اللجنة بـ100 ألف مقاول، خرجوا من السوق خلال عام فقط، إذ كان عددهم 240 ألف مقاول، فيما يبلغ عدد المقاولين المصنفين فقط أكثر من ثلاثة آلاف مقاول، وهؤلاء يشكلون 2 في المئة من عدد المقاولين المزاولين للعمل في السعودية.

قطاع المقاولات في السعودية مثل بقية الأنشطة التجارية والصناعية التي تعاني من التستر التجاري والفساد الإداري والمالي وسوء تشغيل وإدارة، فضلاً عن غياب العدالة في منح الفرص لبقية الشركات المصنفة والمؤهلة والقادرة، وخروج 100 ألف شركة مقاولات خلال عام إشارة واضحة إلى أن معظم هذه الشركات كانت تعمل بطريقة غير نظامية أو بطريقة التستر التجاري، وحينما فرض عليها تصحيح الأوضاع لم تستطع البقاء، لهذا تركت السوق، وستعود بعد أن ترتب نفسها وتعيد أوراقها، مثلما عادت بقية الأنشطة التجارية التي تعمل في الخفاء وليست بالفعل لسعوديين.

لست هنا بصدد إثبات إن كانت هذه المؤسسات سعودية أو يملكها وافدون بأسماء سعودية. إنما أتحدث عن قطاع المقاولات في السعودية الذي ما إن تسأل أحداً عن أهم المقاولين الموجودين بادر بذكر أقل من 10 أسماء، الجميع يعرفونهم، أما بقية الشركات فهناك صعوبة في الحصول على حصتها من نصيب المشاريع المطروحة.

لهذا ينتشر في شكل لافت مقاولو الباطن، 90 في المئة من المشاريع التي تتعثر إنما يعود سببها إلى أنها تسند إلى مقاولين من الباطن، فيختلف مع المقاول الرئيس في صرف الدفعات المستحقة، ويتوقف المشروع، ومعها تحدث الخلافات بين الجهة التي شملت المشروع والمقاول الرئيس، ويبقى مقاول الباطن صاحب الحق الضائعَ في هذه المشاريع، ومع كل هذا لا تتعامل الجهات الحكومية مع جميع شركات المقاولات بعدالة ونزاهة، إذ تمتلك 10 شركات نصيب الأسد من المشاريع المطروحة، حتى إنه يقال إن شركات المقاولات الكبرى، تجلس وهي تضع رجلاً على رجل بكل ارتياح، وتترك مهمة البحث عن المشاريع لشركات المقاولات الصغيرة لتجلب لها المناقصة، لأنها تنفذه من الباطن، وهو الحل الوحيد للحصول على نصيب من كعكة المشاريع.

الصينيون الذين يتهمهم العالم بالتقليد تشتكي من مقاولي الباطن، وهذا الموضوع يهدد سمعة الصين الصناعية، في عام 2007 نشرت الصحف الصينية خبراً صغيراً يشير إلى وفاة زان شو هونغ بشنق نفسه، والقصة التي لا يعرفها أحد، وهي أنه كان يعمل في فوشان مركز التصنيع في جنوب الصين، حيث تنتج دمى لمصلحة شركة «ماتل» بعقد من الباطن، وبعد فترة اكتشفت الشركة الرئيسة أن المنتج يحتوي على عيوب، وهو ما ادعى إلى سحب الكميات الموزعة من الأسواق لاحتوائها على مغناطيسات صغيرة يمكن خلعها، وتم سحب 18 مليون لعبة ونحو 436 ألف سيارة فيها طلاء يحتوي على نسبة من الرصاص.

والصين تشتكي من مقاولي الباطن، وأن النمو المدهش للصادرات الصينية أمر غير طبيعي. اليوم قصة زان شو هونغ أصبحت مثالاً للمسؤول الغشاش والفاشل في الصين، لأنه اشترى طلاء فاسداً وملوثاً. غير أن ما حدث في تركيا يستحق النظر إليه كتجربة يمكن استنساخها وإعادة ترتيب قطاع المقاولات. يقول رئيس اتحاد المقاولين الأتراك آتيلا أونان إن قطاع البناء التركي حقق ما يمكن وصفه بالنهضة التاريخية على صعيد مشاريع البناء خارج البلاد منذ عام 2012، ونفذوا قرابة 433 مشروعاً خارج تركيا (أي ما يعادل 27 بليون دولار). هذا يعني أن قطاع المقاولات لم يعد مقتصراً على شركات محدودة تستحوذ على كل المشاريع، بل صناعة يجب الاهتمام بها، وليس فقط محلياً، بل على النطاق العالمي.

ستبقى مشكلة مقاولي الباطن موجودة في السعودية طالما أن هناك ميزة تفاضلية من الجهات الحكومية مع بعض الشركات الكبرى وحكرها، إضافة إلى فرض القوانين والأنظمة عليها من ناحية توطين الوظائف.

ويقول رئيس اللجنة إن سعودة قطاع المقاولات أضر بالشباب السعودي، مع منح رواتب ضئيلة جداً، لتحقيق نسبة السعودة في الوقت الذي تحتاج فيه هذه الشركات إلى مهن رفيعة فقط، والخروج من مأزق الصعوبات والمعوقات التي تواجه قطاع المقاولات وتحد من نموه وازدهاره، كما يراها عضو مجلس الشورى كبير الاقتصاديين في البنك الأهلي الدكتور سعيد شيخ في ورقته التي قدمها عن صناعة المقاولات في المنطقة الشرقية العام الماضي، فهو يعتقد بأن الأمر يتطلب إعادة النظر في نظام تصنيف المقاولين، إذ يتم تركيز التصنيف على جميع النواحي ذات العلاقة بالقدرة الفنية والمالية والإدارية والتنظيمية بما في ذلك المعلوماتية للمقاول.

كما أن الأمر يتطلب إخضاع شركات المقاولات إلى أنواع من التحالفات والدخول في اندماجات تكفل توافر شركات مقاولات قوية ومتينة إدارياً وفنياً ومالياً، قادرة على تنفيذ المشاريع الكبيرة بالكفاءة المطلوبة.

إن لجنة واحدة في مجلس الغرف تدير أكثر من 140 ألف شركة مقاولات أمر في غاية الحرج. كان يفترض أن تنشأ جمعيات واتحادات للمقاولين بحسب التخصصات، بدلاً من أن تديرها لجنة صغيرة، قد تتحول إلى مصالح شخصية لأعضائها المقاولين، وغاب عنهم قطاع المقاولات الصغيرة والمتوسطة والصغيرة جداً، وهؤلاء ينتظرون دورهم كمؤسسات ناشئة وتشجيع.

في المغرب أنشئت جمعية للمقاولين الشباب وتحديداً المقاولات الصغرى والمتوسطة والمقاولات الصغيرة، وبحسب رئيسها هشام الزبير هدف البرنامج هو دعم ومساعدة ومواكبة وتقديم الاستشارة لفائدة مسيري المقاولات الصغرى والمتوسطة والمقاولات الصغيرة جداً، لتقوية كفاءاتها ونقل المهارات المتعلقة بالتدبير المقاولاتي الجيد، وإيقاع اللجنة بهذا الشكل يسمح لها بإصدار البيانات الصحافية وعقد المؤتمرات، ويحل مشكلات أهم قطاع وتحوله إلى قطاع صناعي ينافس الأسواق العالمية، في ظني أنه مستحيل بهذه القدرات.

نقلاً عن صحيفة الحياة