الأربعاء, 25 ربيع الأول 1439 هجريا, الموافق 13 ديسمبر 2017 ميلاديا

خطيب المسجد النبوي: الاستغفار سنّة الأنبياء والمرسلين ولا يزهد فيه إلا من جهِل منافعه وبركاته

خطيب المسجد النبوي: الاستغفار سنّة الأنبياء والمرسلين ولا يزهد فيه إلا من جهِل منافعه وبركاته

ذكر إمام وخطيب المسجد النَبَوِيّ الشريف فضيلة الشيخ الدكتور علي بن عبدالرحمن الحذيفي في خطبة الْجُمُعَة اليوم: أن الله جل وعلا كثّر أبواب الخير وطرق الأَعْمَال الصالحات؛ تفضلاً ورحمة وجوداً وكرماً من رب العزة والجلال ليدخل المسلم أَي باب من الخيرات ويسلك أَي طريق من طرق الطاعات ليصلح الله دنياه ويرفعه درجات في أخراه، قَالَ الله تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعَاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

وذكر فضيلته: أن من طرق الصالحات والطاعات ومن الأسْبَاب لمحو السيئات الاستغفار، فالاستغفار سنة الأنبياء والمرسلين عليهم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَالَ الله تعالى عن أبوي البشر – صلوات الله ورحمته وبركاته عليهما: (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) وقال عن نوح – عَلَيْهِ السَّلَامُ: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) وقال – عَزَّ وَجَلَّ – عن الخليل – عَلَيْهِ السَّلَامُ: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ).

وأَضَافَ فضيلته: ويُشرع أن يطلب العبد المغفرة للذنب المعين لقول النبي – صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن عبداً أذنبَ ذنباً، فقال: يا ربّ! إني عملتُ ذنباً فاغفِر لي، فقال الله :علِم عبدي أن له ربّاً يغفرُ الذنب، ويأخذُ به، قد غفرت لعبدي)، كما يُشرع أن يطلب العبد المغفرة مطلقاً، فيقول: رب اغفر لي وارحمني.

وأَوْضَحَ فضيلته أن دعاء العبد ربه بمغفرة الذنوب دعاء إخلاصٍ وإلحاح وسؤال تضرع وتذلل يتضمن التوبةَ من الذنوب، وسؤال التوبة والتوفيق لها يتضمن الاستغفار، فكل من الاستغفار والتوبة إذا ذكر كل منهما بمفرده تضمن الآخر، وَإِذَا اجتمعا في النصوص كان معنى الاستغفار طلب محو الذنب وإِزَالَة أثره، ووقاية شر مَا مضى من الذنب وستره، والتوبة الرجوع إلى الله بترك الذنوب ووِقاية مَا يخافه في المستقبل من سيئات أَعْمَاله والعزم على ألا يفعله.

وقد جمع الله بين الاستغفار والتوبة بقولُه تعالى: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ).

وَنَوَّهَ فضيلته: أن العبد محتاج إلى الاستغفار دَائِمَاً أشد الحاجة، ولا سِيَّمَا في هذا الزمان، لكثرة الذنوب والفتن، ليوفقه الله في حياته وبعد مماته، ويصلح شأنه.

فالاستغفار باب خيرات، ودافع شرور وعقوبات، والأمة بحاجة شديدة إلى دوام الاستغفار، ليرفع الله عن الأمة العقوبات النازلة، ويدفع العقوبات المستقبلة، وأَضَافَ: ولا يزهد في الاستغفار إلا من جهِل منافعه وبركاته، فأمر بالاستغفار مع هذه الطاعات وبعدها، قَالَ صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من قَالَ أستغفرُ الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوبُ إليه، غُفِرت ذنوبُه وإن كان قد فَرَّ من الزحف).

وعن أبي سعيد الخُدري – رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عن النبي – صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أنه قال: (من قَالَ حين يأوي إلى فِراشِه: أستغفرُ الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوبُ إليه ثلاث مرات، غفرَ الله له ذنوبَه وإن كانت مثلَ زبَد البحر).

كما يشرع أن يستغفر المسلم للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إحساناً وحباً وسلامة صدر، ونفعاً للمسلمين، وشفاعة لهم عند الله، قَالَ الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوف رَحِيمٌ) فأقبلوا على ربكم بالاستغفار، تروا كرمه وجوده وفضله وبركاته، وتجدوا محو السيئات، ورفع الدرجات.

عن أبي هريرة – رَضِيَ اللَّهُ عَنْه – قال: قَالَ رسول الله – صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (والذي نفسي بيده، لو لم تذنِبوا لذهبَ الله تعالى بكم، ولجاء بقومٍ يُذنِبون فيستغفِرُون الله فيغفِرُ لهم) لأنه – جل وعلا واسع المغفرة جواد كريم، يحب أن يسأل ويُدعى.

وفي الخطبة الثَّانِية، أَوْصَى فضيلته بتقوى الله وطلب مرضاته والعمل بطاعته واجتناب محرماته، وأَضَافَ: فقد مكنكم ربنا من العمل الصالح وجعل هذه الدنيا دار عمل، والآخِرَة دار جزاء، وقد فاز في هذه الدار العاملون المخلصون المحسنون، وخاب المبطلون المعرضون، وأهل القبور يتمنى أحدهم أن يرجع إلى الدنيا ليصلي ركعتين ويستغفر كَثِيرَاً ولكن هيهات أن يجاب قَالَ تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).

واختتم فضيلته الخطبة بالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ على أشرف الأنبياء والمرسلين، ودعا فضيلته أن يصلح الله أحوال المسلمين ويقوي عزائم المستضعفين في كل مكان، وأن وينصرهم بنصره، ويتقبّل شُهَدَاءهم، ويشفي مرضاهم، ويجبر كسيرهم، ويحفظهم في أهليهم وأموالهم وذرياتهم، ودعا فضيلته: اللهم فرج كربهم، وارفع ضرهم، وتولى أمرهم، وعجل فرجهم، واجمع كلمتهم يا رب العالمين، اللهم وَفْقَ خادم الحرمين الشريفين، وولي عهده الأمين لما تحب وترضى، واحفظ ولاة أمور المسلمين وأعز بهم الدين، ووفقهم لما فيه خير للإسلام والمسلمين، ولما فيه صلاح البلاد والعباد يا رب العالمين، الله هم تُب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا إنك أنت الغفور الكريم.