الاثنين, 3 صفر 1439 هجريا, الموافق 23 أكتوبر 2017 ميلاديا

الحب والإرهاب

الحب والإرهاب
أنور ماجد عشقي
كان الشاعر نزار قباني يلقي قصيدته في إحدى القاعات التي ضمت مهرجانا شعريا في بغداد عام 1962م فوقع بصره وهو يشدو بقصيدته على فتاة عراقية في العشرينات، شديدة الجمال، مليحة القوام، تلاقت أبصارهما مرات ومرات فوقعت في قلبه، فهام بها.سأل عنها، فعلم أنها بلقيس الراوي، تعيش في الأعظمية في بيت أنيق، يطل على نهر دجلة، فتقدم لخطبتها من أبيها، ولأن العرب لا يزوجون ممن تغزل في ابنتهم، لم يوافق، فعاد حزينا إلى إسبانيا حيث كان يعمل في السفارة السورية.ظلت صورة بلقيس تداعب خياله ولا تغرب عن باله، لكنه ظل يتبادل معها الرسائل في غفلة من الوالد.بعد سبع سنوات عاد إلى العراق ليشارك في المربد الشعري وألقى قصيدة أثارت شجون الحضور، وعلموا أنه يحكي فيها قصة حب عميقة، فتعاطف معه الشعب العراقي بأسره، كان يقول في قصيدته:مرحبا يا عراق، جئت أغنيك وبعـض من الغنـاء بكـاءمرحبا، مرحبا.. أتعرف وجها حفـرته الأيـام والأنـواء؟أكل الحب من حشاشة قلبي والبقايا تقاسمتـها النسـاءكل أحبابي القدامى نسـوني لا نوار تجيـب أو عفـراءفالشفـاه المطيبـات رماد وخيام الهوى رماها الـهواءسكن الحزن كالعصافير قلبي فالأسى خمرة وقلبي الإنـاءأنا جرح يمشي على قدميه وخيـولي قد هدها الإعياءوأنا الحزن من زمان صديقي وقليـل في عصرنا الأصدقاءكيف أحبابنا على ضفة النهر وكيف البسـاط والنـدماء؟كان عندي هـنا أميرة حب ثم ضاعت أميرتي الحسـناءنقلت القصة إلى الرئيس العراقي أحمد حسن البكر، فتأثر بها فبعث بوزير الشباب الشاعر شفيق الكمالي ووكيل وزارة الخارجية الشاعر شاذل طاقة ليخطباها لنزار من أبيها، عندها وافق والدها فتزوجا عام 1969 ليعيشا أجمل أيام حياتهما.وبعد عشر سنوات من الزواج والترحال قال فيها قصيدة مطلعها:أشهد أن لا امرأةأتقنت اللعبة إلا أنتواحتملت حماقتيعشرة أعوام كما احتملتواصطبرت على جنوني مثلما صبرتوقلمت أظافريورتبت دفاتريوأدخلتني روضة الأطفالإلا أنت..ما إن أشرق عام 1981 بعد أن استقر بنزار وزوجته المقام في بيروت حيث كانت بلقيس تعمل في السفارة العراقية، حتى كان الخامس عشر من الشهر الأخير من عام 1981 ودعها نزار لتذهب إلى عملها وتصافحا فتعانقا، فذهبت وذهب نزار إلى مكتبه بشارع الحمراء، وبعد أن احتسى قهوته سمع صوت انفجار زلزله من رأسه إلى أخمص قدميه فنطق دون شعور قائلا يا ساتر يارب، وما هي إلا دقائق حتى جاءه الخبر ينعى له محبوبته التي قتلت في العملية الإرهابية ومعها 61 من الضحايا، فكتب فيها قصيدة رثاء لم يكتب أطول منها في حياته ولا أجمل منها في مسيرته الشعرية.أتعلمون من فجر السفارة العراقية؟ لقد فجرتها جماعة إرهابية، حزب الدعوة العراقي القسم العسكري، وكان يقود الجماعة المجرمة نوري المالكي الذي أصبح فيما بعد رئيسا للحكومة العراقية، وفي عهده فتح أبواب العراق للاحتلال الفارسي الصفوي الإيراني.لقد زار المالكي هذا العام بيروت فطالب المحامي طارق شنب ممثل الضحايا ومن بينهم أسرة بلقيس إلقاء القبض على المالكي ومحاكمته، فولى هاربا. فهل هناك مجرم على وجه الأرض أشد إجراما منه؟ وهل هناك خائن لوطنه أكبر منه؟ هذه قصة الحب والإرهاب، إنها قصة تؤكد أنه ليس للإرهاب قلب، وليس له مبدأ ، وليس له إيمان.لقد قال في رثائها:سأقول في التحقيق:إن اللص أصبح يرتدي ثوب المقاتلوأقول في التحقيق:إن القائد الموهوب أصبح كالمقاول..وأقول:إن حكاية الإشعاع، أسخف نكتة قيلت..فنحن قبيلة بين القبائلهذا هو التاريخ.. يا بلقيس..كيف يفرق الإنسان..ما بين الحدائق والمزابلفهل يحق للمجرمين والإرهابيين أن يحكموا على المسيرة الحضارية للمملكة العربية السعودية؟