السبت, 7 ذو الحجة 1439 هجريا, الموافق 18 أغسطس 2018 ميلاديا

التماهي مع حكاية المقاهي ..!

التماهي مع حكاية المقاهي ..!
أحمد عبد الرحمن العرفج
يَتصوَّر البَعض أنَّ المَقاهِي دَخلت إلَى الدُّنيا بكُلِّ أمَانٍ وسَلَام، ومَا عَلِمُوا أنَّ دخُول المَقَاهِي صَاحَبَه احتجَاجٌ كَبير؛ ومُقَاوَمَةٌ قَويّة، كَمَا تَذكر الكُتب المُهتمّة بالمَقَاهِي، والتي أرّخت للمَقهى قصَصًا عَجيبة، مِن أبرَزها أنَّ أوّل مَن أَدخَل المَقهى إلَى تُركيا عَام 1554 -في عَهد السُّلطان “سليمان القانوني”- رَجُلَان مِن أبنَاء دمَشق وحَلَب، حَيثُ قَامَا بإنشَاء مَقهييْن في القُسطنطينيّة..!
وهَذا أوّل مَا عَهدته السُّلطة العُثمانيّة في المَقاهي -حَسب مَا أَورده صَاحب كِتَاب “أَدبيّات الشَّاي والقَهوة”-، وبَعد سَنواتٍ مِن انتشَار المَقاهي؛ تَعَالَت صَيحَات الأئمّة والدُّعَاة مُستَنْكِرَة ومُحتجّة، وحجّتهم في ذَلك أنَّ المَقاهي تَشغل النَّاس عَن المَساجد وبيوت العبَادة، وقَد اجتَمَعت الدَّوائِر الدِّينيّة التي قَادت هَذه الحَملة؛ عَلى اعتبَار القَهوة مُحرَّمة كالخَمْر، ولَم يَتراجع الأترَاك أمَام هَذه الحَملة، بَل مَضوا في حيَاتهم يَحتسون القَهوة، ويَغشون المَقاهِي.. وبَعد عَشر سَنوَات أُخرَى تَمكَّن العُلَمَاء مِن حَمل الحكُومَة؛ عَلى سَن عقُوبَات مَدنيّة عَلى شَاربي القَهوة ومُرتَادي دَورِها.. ولَكن الأترَاك قَابلوا هَذا التَّشديد بالتَّحايُل عَلى القَانون -كَما يَحدث في كُلِّ زَمَانٍ ومَكَان- فنَشَأَت للقَهوة سُوق سَودَاء، وذَهَب النَّاس يَتعاطونها في الخَفَاء..!
والغَريب أنَّ تَعاطي القَهوة في السُّوق السَّودَاء؛ استَمَر، حتَّى تَولَّى الحُكم “وَزير نَشيط، كَان يَخشى أنْ تُصبح المَقَاهِي مَوطنًا للفِتَن، فجدّد صدُور الأوَامر بمَنعها، وجَعل عقُوبة المُخالفين “الجَلد” أوّل مَرَّة، فإنْ تَكرَّرت المُخَالفة؛ كَان جَزاء العَائدين وَضعهم في أكيَاس تُخاط عَليهم، ثُمَّ إغرَاقهم في مياه الفوسفور..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: يَا قَوم، تَأكَّدوا أنَّ المَقَاهِي التي تَرونها في الطُّرقَات؛ لَم تَأتِ إلَّا بشَقِّ الأنفُس، وبمَعارك وجَدَل وحرُوب، وفي المَقَال المقَبل سأتحدَّث عَن مُحَاربة نَشأة المَقَاهِي في بِلَاد العَجَم..!!!

نقلاً عن المدينة