الاثنين, 6 شعبان 1441 هجريا, الموافق 30 مارس 2020 ميلاديا

اعترف بالسر تنجُ

اعترف بالسر تنجُ
جاسر الجاسر

لا تظن أن سرك يبقى نقياً، وأن الموت دفان له. وأن يقينك من احتواء المكان والظرف والشخص نجاة من المساءلة والانكشاف. من يوقن بحفظ الأسرار هو من السذج الجاهلين بالزمن ومتغيراته، ولو كان عاقلاً لاستحضر قولاً شائعاً: للجدران آذان. هذه الآذان لا ستر لها ولا حجاب سواء أكان المدار ملاعبات صبيانية أو أسراراً زوجية وصولاً إلى الشأن السياسي وتعقيداته والتزاماته.

في وقت ما تبدو المكاشفة مغرية، مثل اصطياد عشيقة، فإن استحال تحقيق مرادها تموت التجربة بفأس نتائجها، إلا أن الأسرار بطبعها فضّاحة، فهي وإن ارتدت ستر الليل والظلمة وعوامل الثقة لا تستطيع مقاومة شمس مشرقة تنتهك الستر وتكشف المخفي، تماماً مثل مصاصي الدماء ينتعشون ويتجبّرون ليلاً، فإذا ما أشرقت الشمس في وجوهم تساقطوا صرعى.

الخفافيش تظن الكهوف بيوتها والظلام لحافها، لكن كشافاً بيد صبي صغير يشتت شملها ويفرق جمعها.

المؤامرة، تاريخياً، تستمد قوتها من الظلمة والاحتراز والثقة المطلقة بالطرف الآخر، لأنها تقوم على إسقاط طرف ثالث عبر بوابات القربى والطمأنينة فلا يستشعر الخطر إلا بعد أن يتلقى جسده طعنة بروتوس من الظهر الآمن والجدار الذي كان اليقين الواهم أنه الحامي.

يقال إن حبل الكذب قصير، وإن ديمومته مستحيلة. وهذا حق لأن المؤامرة، بطبعها، خيانة وجبن، لا حق لها ولا شجاعة في الكشف عن وجهها. المتآمر يراهن على طرف آخر يشاركه الهوى، فتدفعه الرغبة الحاقدة والشبقة في المخاطرة من دون إدراك أن للطرف الآخر حساباته ومصالحه التي قد تتناغم مع مطلب واحد وتتعارض مع مطالب أخرى.

المؤامرة مثل اللصوصية تتكشف تفاصيلها حال اختلاف اللصوص. وقديماً قيل كل سر جاوز اثنين شاع، فكيف بسرٍّ حضره جمع من البشر، وتسابقت آلات التسجيل والرصد في توثيقه حماية للذات وضمانة من الآخر؟

لا تظن أن الصمت، دائماً، جهل وغباء، فلربما مدّ الشخص الصامت الحبل طويلاً، وترك لشبكته الاسترخاء حتى تمتلئ بصيدها لتعود واثقة جذلى. لا تستخف بالخصم وإن بدت على سيماه الطيبة والبراءة، فالرجال يتعالون على الصغائر، ويغفرون لصحبهم زلاتهم، ولا يدققون في أي تفصيل سعياً للعفو المبطن، وسلاحهم الرقة الحانية التي تسم الخيانة بالمسلك الطائش من دون أن تلبسها رداء الخيانة مواجهة.

الخونة لا يتفقون لأن طبعهم يقوم على المخادعة واستغلال الظرف أو الحالة، فإن ارتبك المشهد وتعثر انقلبوا على بعضهم يتخاصمون.

الخونة يتلبسهم الخوف، طوال الوقت، لأن الشجاعة والصدق والمواجهة ليست من ضمن أدواتهم.

الخـــيانة هي جــــرأة الصغار على الــــكبار بجبن وخسة، فلم يسبق أن ولدت مؤامرة على شخص أو مؤسسة أو دولة ثانوية وهامشية ولا ظل لها.

طرفا المؤامرة دائماً هما: وجود كبير ومؤثر ووجود صغير تابع وثانوي بلغ منتهاه من النمو والتطور إلا أنه يجهل، أو ينكر ذلك، فيسعى إلى الجلوس على المقعد الكبير من دون أن يملأ فراغه ويسد مساحته. الندّية دوماً بين الكبار، فحين ينشأ صراع بين السعودية وإيران فكلاهما كبير وفاعل وإن اختلفت الطرق، ولا أحد ينكر ذلك بدءاً من الجبّارين: روسيا وأميركا.

الخصم الحقيقي سلاحه النبل حتى إن كان صغيراً، لأن شجاعته الفعلية هي في جرأته على الكبار وسيبقى ذكره عطراً وإن نال خسراناً حتمياً.

للجدران آذان، وفي الآخرين ذكاء ولديهم مهارات ولهم أتباع وموالون، فلا تستخف بخصم أغراك حلمه، واستدرجك صبره، ودغدغ حلمه وأناته نشوة نصرك الزائفة ليكون الفخ مصيرك ونهاية دربك وتفتت أحلامك.

قال عمر بن الخطاب: «لست بخب ولا الخب يخدعني»، لكنه قد ينخدع استجلاباً وامتحاناً وفرزاً.

قد ينعس الكبار قليلاً من دون أن يتمكن منهم سلطان النوم، فإن وجدت عظيماً مغمضاً عينيه فلا تتوهم فيه النوم فلعله التأمل والتدبر، وربما منحك فرصة المراجعة والتوبة حباً لك وضناً عليك، لكن الصغار لا يدركون ذلك ولا يقفون عليه!

نقلاً عن الحياة